منذ أن كنت طالبًا فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية فإن الود بيني وبين الأرقام غير متصل ويكاد يكون مفقودًا، ذلك أن الأرقام رغم ما تعبر عنه من لغة صارمة فإنني دائمًا كنت أتذكر كلمة لعلال الفاسي «بين الأرقام تتوه القضايا الكبرى»، أرقام تقال هنا وهناك حول الاقتصاد المصري وموقفه بعد الانقلاب العسكري في 3 يوليو تؤكد أن الاقتصاد في حال أزمة وربما في حال تدهور؛ كل هذه الأوضاع أثرت على المواطن البسيط الذي افتقد القدرة على توفير احتياجاته اليومية والمعيشية بما فيها رغيف الخبز، وبرغم ذلك فإن المطروح من قبل المسئولين للخروج من هذه الأزمات هو فقط تصريحات تحيل المشكلات إلى أسباب خارجية فمشكلة الخبز بسبب الجفاف في روسيا، وأما انقطاع الكهرباء فتحيله إلى تأخير شحنة وقود من دولة خليجية، وهكذا.
وبغض النظر عن الأرقام التي تأتي من هنا أو هناك، من مصادر رسمية أو غير رسمية، من مصادر أجنبية أو مصرية، فإن الأمر المؤكد أن الأوضاع الاقتصادية لم تتحسن بعد الانقلاب ونظن أن الوضع الانقلابي لن يجلب تحسنًا بل سيزيد الطين بلة وربما تدهورًا، والأزمة الاقتصادية لا يمكن حلها من منظور مالي تأتي الأموال فيه من باب القروض والديون.
إن مفهوم الاقتصاد الذي نعرفه يجب أن يشير إلى القصد والمقاصد، وإلى الاعتدال والتوسط، وإلى المعاش والأمان والثقة، وكذلك فإنه من المهم أن نشير إلى أن الاقتصاد صار يوصف بالسياسي (الاقتصاد السياسي) والذي يشير إلى أن المسألة الاقتصادية هي بالضرورة تمس مساحات السياسة وتتفاعل معها.
وأول ما نشير إليه في ذلك الشأن أن من أسباب الأزمة الاقتصادية القيام بانقلاب عسكري تتفاقم معه المشكلات، وبعبارة مجملة فإن الانقلاب شبهة في عالم الاقتصاد.
أما الأمر الثاني الذي نشير إليه في هذا المقام إنما يتعلق بذلك التفاعل بين الاقتصادي والأمني، وهو ما تشير إليه الآية القرآنية (أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف)، وهو أمر يشير إلى اتساع مفهوم الأمن لنصل إلى مفهوم (الأمن الإنساني الشامل)، وهو أمر يتأكد أن مفهوم الأمن لا يجوز النظر إليه بأنه مهمة لأجهزة أمنية ولكنه إشارة إلى صناعة الأمن كمفهوم ممتد لا يمكن فصله عن قيمتي العدل والحرية؛ غاية الأمر في ذلك أنه لا أمن مع ظلم ولا أمن مع بطش، ومن هنا وجب التأكيد بأن الأمان في العدل، وفي الحرية بما ينتج الاستقرار الحقيقي والأمن الإنساني الشامل. هل يمكن تصور أي تقدم في مواجهة الأزمة الاقتصادية في ظل حظر التجول المعاشي، وقانون الطوارئ الطاغي، ومناخ عدم الأمن وتكميم الأفواه والمطاردات والاعتقالات لا يوفر مناخ العيش الكريم والعمل المقيم.
الأمر الثالث إنما يتعلق بما يمكن تسميته الأمن وتكلفة الديمقراطية والعملية السياسية؛ وهو أمر يتعلق بالهدر المتعمد من الحالة الانقلابية ومن المجالس العسكرية من إهدار المال العام المتعلق بكل عمليات التصويت التي قام بها الناخب المصري استفتاء أو انتخابات برلمانية ورئاسية، وإلغائها بجرة سلاح والتي تكلفت في إدارتها فحسب أكثر من ستة مليارات من الجنيهات.
الأمر الرابع إنما يتعلق بصناعة العنف والتكلفة المجتمعية التي لا تهدر الأموال فحسب ولكنها تهدر دماء الإنسان الموصوف بالكرامة والحرمة، إن هذا الأمر الذى يدخل المجتمع في دائرة العنف المفرط، ومن المهم أن نشير إلى أن الاقتصاد السياسي المرتبط بسياسة التوافق تجعله بلا تكلفة، بينما العائد الاقتصادي والسياسي له عائد مضمون في الثقة السياسية وتماسك الجماعة الوطنية، والعنف يبدد كل ذلك ويشتت طاقات المجتمع ويا لها من تكلفة لا يمكن تقديرها بالمال أو بالحساب الاقتصادي، وفي هذا المقام فإن الاقتصاد مسألة أكبر من أن تترك للاقتصاديين، والسياسة أكثر تعقيدًا من أن تترك للسياسيين، وهذا وذاك لا بد أن يراعي التكلفة المجتمعية والآثار السلبية على السلم الأهلي وصناعة عدم الاستقرار؛ ذلك أن هذا الحال الانقلابي لا يشير من أي طريق إلى الشروع في أي عملية بناء أو نهوض؛ بينما يشير إلى عدة أمور مهمة من تكلفة الدم والقتل، ثمن الحرية وتكلفة الديمقراطية، توفير العيش الكريم كمهمة اقتصادية وإنسانية.
الأمر هنا يؤصل لمنظومة من القيم جامعة لنظام المجتمع العام والسلطان الفاعل، والعدل الشامل والأمن العام والخصب الدائم والأمل الفسيح؛ إن هذه أركان الأمن الإنساني تتفاعل مع بعضها البعض وتشير من كل طريق إلى أن الانقلاب العسكري يشكل منظومة مناهضة لكل معاني الأمن التي لا يمكن أن توفر مناخًا اقتصاديًّا وتنمويًّا؛ أما الانقلاب فإنه يقطع الطريق على كل أمل فسيح بزراعة اليأس والاحباط ويسد الباب على كل مستقبل لحياة سياسية مستقرة وآمنة.
●●●
الاقتصاد في النهاية اعتدال، فاعدلوا المعادلة ينعدل المعاش ويستقر الناس، تكلفة الانقلاب عالية اجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا؛ لأنه يضاد اقتصاد العدل ومعاش الكرامة، الأمن ليس كما يأتي على لسان حكومة الانقلاب مرحلة ننهيها، ولكنه حالة نصنعها ونبنيها، الأمن لا يتحقق بالقتل والترويع والتجويع، لكنه يتحقق بالعيش الكريم والعدل والتجميع، إن ما نريد أن نؤكده هو أن أفعال الانقلاب جعلت معاش الناس خرابًا وعلى عكس ما بشرنا البعض بذلك، والظلم مؤذن بخراب العمران كما يؤكد ابن خلدون، وما أظلم من الانقلاب كنذير خراب.
مقال د. سيف الدين عبد الفتاح بجريدة الشروق 7/9/2012






